طاهر سليمان حموده
124
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
ولقد ساعد على هذا الانتصار اعتقاد العوام البالغ في الشيخ عمر بن الفارض حتى ذكر أنهم حاولوا قتل البقاعي ورجموه بالحجارة ، كما أن السلطان انتصر له وعزل ابن الشحنة من القضاء « 1 » وتدلنا هذه الحادثة على منزلة السيوطي منذ بداية حياته العلمية بين العلماء ، ومشاركته في الأحداث العامة ، والحقيقة أن السيوطي كانت له مبادئ وآراء تمسك بها طيلة حياته ودافع عنها ، وقد نصب من نفسه مدافعا عن رجال التصوف المعروفين فصار ينفي عنهم كل شبهة أثيرت حولهم ويحاول أن يبين التزامهم بالكتاب والسنة وموافقتهم في مسالكهم لهما . فهو لا يفتأ يذكر بعد ذلك في موضع آخر أنه « ما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد ، وينبهون على فساده ، ويحذرون من ضلاله » « 2 » . وغدا السيوطي عالما يشار إليه بالبنان في القاهرة منذ ذلك الوقت ، وقد وردت عليه كثير من الأسئلة التي أجاب عليها أحسن إجابة ، واستفتى في كثير من المعضلات فأفتى فيها ، ومن الأسئلة المبكرة التي تدل على تمكنه وشهرته وذكائه وعقله ما ورد إليه عام 876 ه ، وهي مجموعة من الألغاز العلمية المنظومة طلب إليه أن يجيب عنها نثرا ونظما فأجاب أصوب جواب « 3 » . وقد طبقت فتاوى السيوطي بلاد مصر والشام وسائر بلاد الاسلام « 4 » ، وانتشرت كتبه في حياته وانتفع بها الناس ، ونلاحظ في فتاواه وكتاباته الكثيرة انتقادا لكثير من نواحي الحياة في المجتمع وحثا على الاصلاح ، ومن أوضح الأمثلة على ذلك فتواه بهدم أحد البيوت التي أقيمت إلى جوار أحد المساجد
--> ( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور ج 2 ص 120 ، 121 . ( 2 ) السيوطي : تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد ، رسالة ضمن كتاب الحاوي للفتاوي ج 2 ص 236 . ( 3 ) الأجوبة الزكية عن الألغاز السبكية ، رسالة له طبعت بالحاوي ج 2 ص 493 . ( 4 ) انظر مثلا رسالته : المباحث الزكية في المسألة الدوركية ، وهي استفتاء عن وقف بإحدى بلاد خوزستان ، الحاوي للفتاوي ج 1 ص 253 ، انظر رسالته : فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور ، الحاوي ج 1 ص 451 .